الشيخ محمد رشيد رضا

292

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

والأرض وجعل الملائكة رسلا أولي أجنحة ووصفه بسعة القدرة ، والملائكة من الأنوار الإلهية التي تنزل من السماء وتعرج فيها . فظهر بهذا ان السور الثلاثة مفصلة لما أجمل في الأولى ( الانعام ) مما حمد اللّه عليه كما انها مؤيدة لما فيها من اثبات التوحيد والرسالة والبعث * * * الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ الحمد هو الثناء الحسن والذكر بالجميل - كما تقدم شرحه في سورة الفاتحة - واسناد الحمد إلى اللّه تعالى خبر منه تعالى على المختار ، والعبد يحكيه بالتلاوة مؤمنا به فيكون حامدا لمولاه ، ويذكره في غير التلاوة إنشاء للحمد وتذكرا له ، ويجوز أن يكون الحمد هنا انشاء منه تعالى ؛ وان إنشاء الحمد بالجملة الخبرية جمع بين الخبر والانشاء ، أثنى سبحانه على نفسه بما علم به عباده الثناء عليه ، فأثبت ان كل ثناء حسن ثابت له بالاستحقاق ، وبما هو متصف به من الخلق والايجاد والإعداد والإمداد ، فذاته تعالى متصفة بجميع صفات الكمال وجوبا فالكمال الاعلى داخل في مفهوم حقيقتها أو لازم بين من لوازمه ، وقد وصف تعالى نفسه في مقام هذا الحمد بصفتين من صفاته الفعلية التي هي من موجبات الحمد له وهما خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور أما خلق السماوات والأرض فمعناه إيجاد هذه العوالم العلوية التي نرى كثيرا منها فوقنا وهذا العالم الذي نعيش فيه ايجادا مرتبا منظما ، وقد تقدم القول في معنى الخلق لغة وشرعا وأما جعل الظلمات والنور فهو في الحسيات بمعنى ايجادهما لان هذا هو معنى الجعل المتعدي إلى مفعول واحد وسيأتي بيان معناه في المعنويات . قال الزمخشري في الكشاف : جعل يتعدى إلى مفعول واحد إذا كان بمعنى أحدث وأنشأ كقوله ( وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ) وإلى مفعولين إذا كان بمعنى صيّر كقوله ( وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ) والفرق بين الخلق والجعل ان الخلق فيه معنى التقدير ، وفي الجعل معنى التضمين كإنشاء شيء من شيء ، أو تصيير شيء شيئا ، أو نقله من مكان إلى مكان ؛ ومن ذلك ( وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها * وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ) لان الظلمات من الأجرام